أبو نصر الفارابي
52
الجمع بين رأيي الحكيمين
في البلاد السريانية اخذ التأثير اليوناني في التضاؤل ، فشعر أساتذة المدارس السريانية بضرورة نقل الكتب اليونانية إلى لغتهم . بدأت هذه الحركة في مدينة الرها في منتصف القرن الخامس ، فمثلا ترجم « فروبا » كتاب « العبارة » والمقالات السبع الأولى من كتاب « التحليلات الأولى » لأرسطو . وفي نصيبين ألّف بولس النصيبي « 1 » كتابا في منطق أرسطو . وإذا رجع النساطرة في هذا العهد إلى الكتب اليونانية فكان ذلك للبحث عن أسس منطقية يدعمون بها منازعاتهم اللاهوتية . ثم من أوائل القرن السادس إلى ما بعد الفتح الاسلامي نجد غزارة الانتاج العلمي والفلسفي . عند النساطرة . وابرز اسم في هذه الفترة اسم « سرجيوس الرأسعيني » ( * 536 م ) ، كان كاهنا نسطوريا ، ورئيسا لاطباء رأس العين في شمالي الجزيرة ، وفيلسوفا وعالما ومؤرخا . ترجم إلى السريانية « ايساغوغي » لفرفوريوس ، « مقالات في النفس » منسوبة إلى أرسطو ، كما وانه شرح بالسريانية كتاب « المقولات » لأرسطو ، وله عدة رسائل ومؤلفات علمية في الطب والتاريخ الخ . وأخيرا لما اضطهد الإمبراطور يوستنيوس اليعاقبة ، في منتصف القرن السادس الميلادي ، انتقل بعض هؤلاء الرهبان اليعاقبة إلى الضفة اليسرى من الفرات حيث أسسوا ديرا في قنسرين ، أصبح مركزا للثقافة السريانية الهلنية . واشتهر في هذا الدير « مار ساويرس » ( * 667 م ) الذي ترك مؤلفات عدة في الفلسفة والعلوم عرفها العرب . واشتهر أيضا تلميذه اثناسيوس ( * 696 م ) الذي أصبح فيما بعد بطريركا لليعاقبة . وترك شروحا لمنطق أرسطو ، نقلت إلى العربية وأفادت منها مدرسة بغداد . ومن اشهر تلاميذ ساويرس الذين درسوا في قنسرين يعقوب الرهاوي « 2 » ( 633 - 708 م ) الذي انتقل إلى الإسكندرية وكتب في اللاهوت والفلسفة والتاريخ والجغرافيا ، وكانت مؤلفاته تعتبر مرجعا للدارسين . ومن تلاميذ اثناسيوس يذكر اسم جورجيوس ( * 724 م ) أسقف العرب ، فقد ترك ترجمات لأشهر كتب أرسطو المنطقية ، وشرحها . فلما فتح العرب سوريا والعراق اعجبوا بالحضارة المنتشرة في هذه الاصقاع والتي كان السريان النساطرة محتفظين بها . لذلك بعد ما استتب الامر للعباسيين طلبوا من هؤلاء ترجمة هذا التراث العلمي والفلسفي إلى العربية . فكان للنساطرة فضل كبير في الاحتفاظ بالثقافة اليونانية القديمة ، كما وان لهم فضلا أكبر في نقلها إلى العربية .
--> ( 1 ) المعروف باسم بولس الفارسي ؛ كان في خدمة كسرى أنوشروان ؛ وكان يرى أن العلم أوثق من الدين وأولى بالتفضيل . ( 2 ) أفتى يعقوب الرهاوي بأنه يجوز للقسس النصارى ان يقوموا بتعليم أبناء المسلمين ؛ وهذا يدل على أن المسلمين كانوا في حاجة إلى الثقافة ، وانهم رغبوا في تحصيلها .